محمد بن علي الشوكاني

5180

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

القيامة حتى ينفخ فيها الروح وما هو بنافخ " ( 1 ) . فهذه الأحاديث فيها التصريح بأن المصورين يعذبون في النار ، وهي من أعظم الأدلة الدالة على تحريم ذلك ، لأنه لا يوجب عذاب النار إلا ما هو محرم شرعًا ، وهي أيضًا أدل على التحريم من مجرد النهي ، فإن النهي قد يكون مصروفًا من معناه الحقيقي ، وهو التحريم إلى معناه المجازي ، وهو كراهة التنزيه لقرينة توجب ذلك ، كما هو مقرر في الأصول بخلاف الوعيد بالنار ، فإنه يدل على التحريم دلالة لا يصرفها صارف ، ولا يخرج الأمر الذي وقع الوعيد عليه بالنار عن التحريم إلا بدليل يدل على نسخه ، وارتفاع حكمه . ومن جملة الأدلة الدالة على قبح التصوير أحاديث منها : " إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه تماثيل " ( 2 ) . ومنها : أحاديث فيها التصريح بأن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - غير ذلك .

--> ( 1 ) قال البخاري في " الفتح " ( 10 / 394 ) : قال الكرماني : ظاهره أنه من تكليف ما لا يطاق ، وليس كذلك وإنما القصد طول تعذيبه وإظهار عجزه عما كان تعاطاه ومبالغة في توبيخه وبيان قبح فعله . وقوله : " ليس بنافخ " أي لا يمكنه ذلك فيكون معذبًا دائمًا . وقد تقدم في " باب رقم 89 عذاب المصورين " من حديث ابن عمر أنه يقال للمصورين أحيوا ما خلقتم وأنه أمر تعجيز ، وقد استشكل هذا الوعيد في حق المسلم ، فإن وعيد القاتل عمدًا ينقطع عند أهل السنة مع ورود تخليده يحمل التخليد على مدة مديدة . وهذا الوعيد أشد منه لأنه معينًا بما لا يمكن وهو نفخ الروح ، فلا يصح أن يحمل على أن المراد أنه يعذب زمانًا طويلاً ثم يتخلص ، والجواب أنه يتعين تأويل الحديث على أن المراد به الزجر الشديد بالوعيد بعقاب الكافر ليكون أبلغ في الارتداع وظاهره غير مراد ، وهذا في حق العاصي بذلك ، وأما من فعله مستحلاً فلا إشكال فيه . . . " ( 2 ) أخرج البخاري في صحيحه رقم ( 5958 ) ومسلم رقم ( 2106 ) والترمذي رقم ( 2805 ) والنسائي رقم ( 8 / 212 ، 213 ) وابن ماجة رقم ( 3649 ) من حديث أبي طلحة رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : " لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب أو صورة " . وفي رواية عن أبي طلحة الأنصاري قال : سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : " لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة تماثيل " . أخرجه البخاري رقم ( 3235 ) ومسلم رقم ( 2106 )